أبي طالب المكي
145
قوت القلوب في معاملة المحبوب ووصف طريق المريد إلى مقام التوحيد
يخلقهم ، فلما أظهرهم استعملهم بأعمال أهل الرضا فأسكنهم دار الرضا ، وقد روينا عن ابن عباس في قوله عزّ وجلّ : * ( هَلْ أَتى عَلَى الإِنْسانِ حِينٌ من الدَّهْرِ لَمْ يَكُنْ شَيْئاً مَذْكُوراً ) * [ الدهر : 1 ] ، يعني كان في علم الله أنه يكوّنه وكأنه علق قوله . لم يكن بقوله مذكورا والله تعالى يخبر بما يكون في الدنيا وبما يكون في القيامة وبما بعدها ، بلفظ أنه قد كان لاستواء ذلك في عمله آخرا كأول . إذ لا ترتيب في العلم ولا حدّ ولا مسافة ولا بعد في القدرة . وقد قال الله تعالى : * ( ومن أَصْدَقُ من الله قِيلًا ) * [ النساء : 122 ] . أعنده علم الغيب ، فهو يرى فنقصه بذلك وذمه . وقال تعالى : * ( الَّذِي يَراكَ حِينَ تَقُومُ . وتَقَلُّبَكَ في السَّاجِدِينَ ) * [ الشعراء : 218 - 219 ] ، أي ويرى تقلبك وبه انتصب التقلب بالعطف على القيام . وجاء في التفسير تقلبك في الأصلاب الزاكية والأرحام الطاهرة ، لم يتفق لك أوان على سفاح قط . كذلك روي عن النبي صلى الله عليه وسلم وقيل في أصلاب الأنبياء : يقلبك بالتنقيل في صلب نبي بعد نبي حتى أخرجك من ذرية ورثة إسماعيل . وقد روينا يعني ذلك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وقال تعالى في سمع الأصوات قبل الأشباح وخلقها : * ( قَدْ سَمِعَ الله قَوْلَ الَّتِي تُجادِلُكَ في زَوْجِها ) * [ المجادلة : 1 ] . فأخبر أنه سمع الأصوات في القدم في علمه قبل خلق المصوتين في الحديث ، فكيف لا يرى الكون عن آخره في القدم بعلمه قبل ظهورهم له متصورين بفعله ؟ وقد قال تعالى : * ( ولَقَدْ خَلَقْناكُمْ ثُمَّ صَوَّرْناكُمْ ثُمَّ قُلْنا لِلْمَلائِكَةِ اسْجُدُوا لِآدَمَ ) * [ الأعراف : 11 ] . والخلق والتصوير كانا بعد السجود لآدم ، فأخبر عنه أولا لشهوده له واستوائه في علمه إذ لا بدّ من كونه . فأشبه قوله تعالى : * ( خَلَقَ السَّماواتِ والأَرْضَ في سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ ) * [ الأعراف : 54 ] . والعرش قبل السماوات والأرض والاستواء صفته لم نزل به . ثم أخبر عنه أنه أخر الترتيب ، فاللَّه سبحانه وتعالى عالم بالكون قبل الكون وناظر إلى علمه ، لا حجاب بينه وبين معلومه ، وسامع لما شهد ومتكلم بما علم فقد سبق النظر والسمع والكلام الكون كله من حيث سبق العلم والقدرة والمشيئة ، فهو ناظر سامع متكلم بنفسه من حيث كان عالما مقتدرا مريدا بنفسه . ثم أظهر الخلق عالما بعد عالم في وقت بعد وقت ، فجاؤوا على نظره وسمعه وكلامه كما كانوا في علمه وقدرته ومشيئته ، بغير زيادة ولا نقصان خردلة ، ألا ترى أنه بقدرته وعلمه يرى يوم القيامة وما فيها ؟ والآخرة وما يكون منها على حقيقة ما أخبر عنه لا يمنعه عدم الكون ولا يحجبه بعد التأخير ؟ كذلك كان يشهد ما قد كان اليوم في قدمه بعلمه به وبقدرته عليه وحيطته به ، لا يمنعه عدم كونه ولا يحجبه . فقد ظهوره ولا يجوز أن يدرك سبحانه وتعالى اليوم ما لم يكن أدركه في القدم ، كما لا يجوز أن